ابن بسام
190
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
جملة من رسائله في أوصاف شتى من ذلك فصول له في ذمّ الزمان [ وبنيه ] ، وتعذّر آماله فيه فصل له من رقعة : أوحش بأيام أقطعها وأفنيها ، وأثواب عيش أخلقها وأبليها ، بحيث لا أراك عيانا ، ولا أملك من أنديتك [ 1 ] مكانا ، حتى أعتزّ بك من هون أغضي فيه على القذى ، وأصبر منه على حزّ [ 2 ] المدى ، وأتميّز من طبقة الاتضاع والاستخذا ، وأعظم تلهّفي بماض من الدهر بغير مستفاد ، وذاهب من العمر ليس بمستعاد ، وليت شعري أتنجز الأيام موعودا [ 3 ] ، أو تدني من الأمل بعيدا ، فترضى بما [ 4 ] أسخطت ، وتعتذر بما [ 5 ] أذنبت ، وتنسي مضض شدّتها بليان ، وتمحو أثر إساءتها بإحسان ؟ ! ما تحدّثني بذلك نفسي ، ولا إخال أنّ زماني يذعن بإسماح ، ولا يزال مستمرّ الجماح ، وما الحيلة إن أبى سوى التعلّل بالمنى ، والاستراحة بلعلّ وعسى ؟ وبودّي لو ملكت عن هذه الشكوى لساني ، وأمسكت في البوح بها من عناني ، وأخذت نفسي بأناتها [ 6 ] ، وأنظرت الأقدار [ 7 ] إلى أوقاتها ، حتى لا أسوء ولا أنكّد ، بما أورد منها وأردّد ، ولكني واللّه مغلوب بالاضطرار ، معدول عن وجه الاختيار ، ومن العجب أني / أنوي في كتبي أن تكون من الشكوى خالية ، وبزينة التجمل حالية ، ولسان الحال تأبى إلّا أن تبوح بمضمر السرّ ، وتكشف عن حقيقة الأمر ؛ وقد كان لي عنه معزل إلى وصف ما للبين بقلبي من جرح وآثار ، وللشوق بين جوانحي من وقود وأوار ، فإنه مذهب يجول فيه القول كلّ مجال ، وينثال عليه الكلام أيّ انثيال ، وتتأتّى به الألفاظ لازدواجها ، وتتراءى المعاني في معرض انتتاجها ، ولئن لم أبدأ به فإليه قصدت ، وإياه أردت ، وقد اكتفيت منه بما أتيت ، ووقفت حيث انتهيت [ 68 أ ] . وله في مثله من أخرى : قد كنت أؤمّل هذا التلاقي ، لأشكو فيه إليك دواهي بلغت
--> [ 1 ] د ط س : أنسك . [ 2 ] ط د س : حد . [ 3 ] س : موعدا ؛ ط : وعودا ؛ د : موعدا عودا . [ 4 ] ط د س : ما . [ 5 ] ط د س : مما . [ 6 ] ب م : بأناتي . [ 7 ] د ط س : الأوقات .